
تحرير: جيهان مشكور
لم يعد الاحتجاج في المغرب مجرد حدث عابر، بل تحوّل إلى لغة يومية تختصرها صور المرضى في أروقة المستشفيات، صرخات العائلات تحت الخيام ليس فقط في الحوز، بل في العديد من المدن والقرى، ولافتات شبابية مكتوبة بخط اليد في القرى النائية، وفيديوهات تعري واقعا بئيسا لاعلاقة له بالأرقام الرسمية المعلنة..
خريطة تمتد على كامل التراب الوطني
إنها خريطة غضبٍ تمتد على كامل التراب الوطني، تُعرّي هشاشة منظومة تُنفق المليارات على مشاريع استعراضية بينما يُترك المواطن يصارع المرض والجوع والبرد وحيداً، إنها احتجاجات وكأنها تراكم لاحتجاج واسع وبمعنى قادم.
صحة تنهار… ومرضى ينتظرون المعجزة
عادت احتجاجات القطاع الصحي لتتصدر المشهد بعدما تحوّلت إلى ملف شبه مستدام: إضرابات الأطباء والموظفين، ووقفات الممرضين، وتنديد النقابات بتأخر تنفيذ الاتفاقات.. ،كلها مؤشرات لقطاع عمومي منهك وضُعفت قدرته على الاستجابة لطلبات المواطنين.
في المقابل، تجد في بهو مستشفى إقليمي كان أو جهوي الصورة تتكرر، يفترش العشرات الأرض في انتظار دورهم.. رجل ستيني يتحدث بمرارة: “إذا لم تدفع للمصحة الخاصة، تبقى حياتك معلقة بين انامل الحظ”،،
و تضيف ممرضة شابة : “نُجبر على العمل بأدوات معطلة احيانا أو بدونها فقط نكتفي بارسال المرضى إلى مراكز أخرى ، ونُطالب بالابتسامة أمام مأساة يومية”.
المشاهد ليست استثناء، بل هي القاعدة.. قطاع الصحة عمومي يتآكل، أطباء يفرون إلى المصحات الخاصة أو إلى المهجر، ومستشفيات تتحول إلى غرف انتظار للموت.. أين ذهبت وعود تجهيز المستشفيات اين الوعود بالنهوض بقطاع تَوارثَ الفشل من مستشفياته إلى طاقمه و تجهيزاته المهترئة و حتى صيادلته و ادويته ؟ فأي معنى لـ”التغطية الصحية الشاملة” إذا كان العلاج نفسه غائباً؟
وكأن حديث أخنوش رئيس الحكومة وبعض الكائنات الانتخابية، والتي تصور مغربا آخر غير المغرب الواقعي، أخرجت أو سرعت من إخراج “المارد”، ضد هذا، الذي يطحن المغاربة يوميا في مواطنتهم وفي كرامتهم في أول تماس لهم مع الخدمات العمومية، أو أول تماس مع “كفتهم” غذائهم ومعيشتهم.
خيام بدل البيوت: وعود لا تبني جداراً
في دواوير الحوز، ما زالت الأسر تعيش في خيام بلاستيكية منذ زلزال 2023.. رجل من المتضررين يقول: “قالوا إن البيوت ستُبنى خلال أشهر، وها نحن نعدّ الفصول بين خيمة وأخرى”.. لتكمل زوجته بحسرة: “كل زيارة رسمية تتحول إلى عرض تلفزيوني، ثم يختفي الجميع”.
أكثر من عامين مضت والوعود لا تزال حبيسة الخطابات، بينما يواجه آلاف المواطنين شتاءً آخر بلا سقف.. فقد تحوّل التأخر في إعادة الإعمار وتفاوت التوزيع إلى حِقْبةٍ جديدة من الاحتجاجات أمام مؤسسات الدولة، حيث يطالب الناجون ببدائل سكنية وإعادة بناء سريعة وعادلة بدل وعودٍ تبقى حبيسة البيروقراطية..بل ولم تتردد السلطات في اعتقال في محاولة لتكميم للأفواه كما هو الحال بالنسبة لسعيد ايت مهدي.
و المفارقة الصارخة تكمن في تخصيص الدولة ميزانيات ضخمة لبناء ملاعب عملاقة تجهز بقدرة قادر في آجل محدد، لكنها تعجز عن إعادة بناء منازل لضحايا كارثة وطنية.
القرى المنسية: مواطنون خارج الخريطة
من تاونات إلى أزيلال إلى الصويرة إلى أكادير فمراكش، فقرى المغرب المنسي، يسير شباب على طريق غير معبدة، يرفعون لافتة بسيطة: “نريد ماءً وطريقاً ومدرسة و مستوصف “، فهل يحتاج المواطن إلى مظاهرة ليُطالب بما هو حق بديهي؟
في ظل حكومة تتغنى العدالة المجالية.. صار التهميش القروي وصمة عار.. قرى بأكملها بلا مستوصفات.. مرضى وحوامل يتم نقلهم من دوار إلى دوار على نعوش و فوق الأكتاف لان سيارة الإسعاف لا تصل اليهم ، قرى بلا طرق بلا ماء، بلا فرص عمل..، و بينما تُعلن الحكومات عن “برامج تنموية”، تبقى الهوامش سجينة عزلة تعمّق الغضب وتزرع بذور انفجار صامت.
نقابيون غاضبون وحوارات معلّقة
من جهتهم يتحدث النقابيون بلغة صريحة جملة تختصر كل البلاغات والبيانات : اتفاقات لا تُنفّذ، ووعود تُعلن ولا تُترجم على الأرض.. الحسين اليماني وصف الحوار الاجتماعي بأنه “عملية تسويف”، مؤكداً أن الاحتجاجات نتيجة طبيعية لغياب الالتزامات، فما يُمنح من تنازلات غالباً ما يأتي بعد ضغط الشارع، وليس ضمن رؤية سياسية بعيدة المدى، إنها سياسة ردود الأفعال تعمل على تأجيل الانفجار بدل منعه.
من يحتج؟ ملفّات شخصية وجماعية
الاحتجاج المغربي اليوم هو مزيج من ملفات متقاطعة: نقابات مهنية تطالب بشروط عمل وحقوق مادية، متضررو كوارث يطالبون بإعادة تأهيل سكني، شباب قروي يطالب بفرص عمل وبنية تحتية، ومواطنون حضريون يحملون غضباً من غلاء المعيشة،.. هذا التنوع يجعل الخريطة الاحتجاجية موزعة ومندمجة؛ أحياناً تتحد مطالب مختلفة تحت راية واحدة: كرامة العيش.
لكن الملفت هو أنّ بعض الناشطين الذين رفعوا الصوت عن تأخيرات إعادة الإعمار أو سوء تدبير برامج الدعم واجهوا ملاحقات أو أحكاماً قضائية، ما يضيف بعداً آخر للصراع: بين حقّ المطالبة ووسائل ضبط النظام العام.. حالات حكم فيها على ناشطين أو توقيف متظاهرين تُثير نقاشاً حول حدود حرية التعبير وحق الاحتجاج.
وسائل التواصل: المعارضة الرقمية
و في محدودية أدوار إعلام مستقل قادر على نقل الصورة كاملة، تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى برلمان افتراضي مفتوح على مدار الساعة.. هنا تُبث صور الاحتجاجات، وهناك تتناقل فيديوهات القرى المنسية والمستشفيات الفارغة من الأدوية.. لكنها مرايا مزدوجة الوجه: من جهة تعطي صوتاً لمن لا صوت له، ومن جهة أخرى تضع الناشطين تحت عين الرقابة والملاحقة، كل تدوينة قد تتحول إلى تهمة، وكل فيديو احتجاجي قد يقود صاحبه إلى محكمة بدل أن يقود الحكومة إلى مراجعة سياساتها.
فوسائل التواصل ليست مجرد منصة؛ هي الآن ساحات لتخطيط الحراك، ونشر الشهادات المصوّرة، وتوثيق التجاوزات، وتنسيق حملات تضامن..حيث زادت نسبة استخدام هذه الوسائط في المغرب، وأصبحت أدوات التعبئة أساسية سواء عبر هاشتاغات، مجموعات واتساب، أو تيك توك أو فيسبوك.. ما وسّع دائرة المتعاطفين وقلّص زمن استجابة الشارع.. فيما تشير تقارير حديثة إلى أن نسبة مستخدمي وسائل التواصل في المغرب وصلت إلى مستويات مرتفعة (نحو 81% وفق دراسات لعام 2025)، مما يفسّر قدرة هذه الوسائط على إشعال موجات وطنية بسرعة كما لم تعد تعتمد فقط على المسيرات الميدانية التقليدية.. بل أصبح الفضاء الرقمي اليوم محكمة شعبية تحاسب بالصوت والصورة، وتكشف ما يُحاول الخطاب السياسي دفنه.
لغة رسمية… بلا أثر واقعي

كلما ارتفع منسوب الغضب، يخرج مسؤول ليؤكد: “الدولة رصدت الميزانيات”.. لكن المواطن لا يسكن في ميزانية، بل في بيت.. لا يتداوى بالأرقام، بل بالدواء. لا يعيش بالشعارات، بل بالكرامة.
المفارقة القاسية: الملايين تُنفق على مشاريع “صورة” للعالم الخارجي، بينما الداخل يتعرّى أمام الواقع: مستشفيات منهكة، خيام تقاوم العواصف، قرى منسية، وشباب يهاجرون يائسين أو يواجهون البحر كخيار أخير.
صفعة لا مفر منها
خريطة الاحتجاج في المغرب ليست مجرد نقاط غضب متفرقة؛ إنها صورة متكاملة لواقع مأساوي، إنها مرآة تعكس فشل آليات الاستجابة، واختلال موازنة الأولويات، وانشغال السياسات بالمظاهر الكبرى على حساب الحاجات الأساسية..
في النهاية، وسائل التواصل جعلت هذه المرآة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، وحيّدت بطبيعتها الخرائط الرسمية عن سرد الحقيقة المنقوصة..
إن لم تُقرأ هذه الخريطة قراءةً صادقة، فإن الاحتجاج سيظلّ الكتاب الوحيد المتاح لسرد واقعٍ لا يطاق، ولن يكفي عندئذٍ أي بيان أو مشروع مُصفّح لردّ الاعتبار لمواطِنٍ استطاع أن يطالب فقط بما هو حقّ له: السكن،و التعليم، و الصحّة، والكرامة.








