الرئسيةسياسة

تحالف اليسار، من الاندماج للتحالف..ماذا تغير؟

أجرى الحوار: جيهان مشكور 

في محاولة جديدة لإعادة ترتيب البيت اليساري المغربي، أعلنت فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، الأربعاء الماضي بالدار البيضاء، عن تأسيس “تحالف اليسار”، في خطوة أعادت إلى الواجهة النقاش حول مستقبل الوحدة اليسارية وإمكانيات استعادة دوره السياسي والاجتماعي في سياق وطني يتسم بتحديات اقتصادية واجتماعية وسياسية متزايدة.

ويأتي هذا الإعلان بعد سنوات من التباعد الذي أعقب انسحاب الحزب الاشتراكي الموحد سنة 2021 من مسار الاندماج الذي كانت تقوده فيدرالية اليسار الديمقراطي، ما جعل الكثيرين يتساءلون حول طبيعة هذا التحالف الجديد ومدى قدرته على تجاوز أسباب التعثر السابقة وبناء مشروع سياسي أكثر استقرارا وفعالية.

وفي هذا السياق، أجرت جريدة “دابا بريس” حوارين منفصلين مع عبد اللطيف اليوسفي، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، وكمال السعيدي، عضو المكتب السياسي لحزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، لتسليط الضوء على خلفيات هذا التحالف وأهدافه وآفاقه.

اليوسفي: أرضية مشتركة تستند إلى تراكم نضالي طويل

يرى عبد اللطيف اليوسفي، عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الموحد، أن التحالف الجديد ليس حدثا معزولا أو وليد ظرف انتخابي آني، بل يمثل امتدادا لمسار وحدوي تعود جذوره إلى سنة 2007، حيث راكم الطرفان تجارب مشتركة داخل المؤسسات المنتخبة وفي دعم الحركات الاجتماعية والاحتجاجية والدفاع عن القضايا الديمقراطية.

ويؤكد اليوسفي أن الخلاف الذي وقع سنة 2021 لم يكن سوى محطة عابرة داخل مسار أطول اتسم عموما بتقارب الرؤى والمشاريع السياسية، مع وجود تمايزات طبيعية في التقديرات التنظيمية، لذلك فإن الأرضية الحالية للتحالف تستند إلى رصيد وثائقي وسياسي مشترك، تمت ترجمته في ميثاق سياسي وبيان تأسيسي وتصريح صحفي يؤطران العلاقة بين الحزبين.

السعيدي: أسباب الخلاف السابقة لم تكن سياسية بقدر ما ارتبطت باختلافات في تقدير وتيرة الاندماج

من جهته، يوضح كمال السعيدي، عضو المكتب السياسي لفيدرالية اليسار الديمقراطي، أن أسباب الخلاف السابقة لم تكن سياسية بقدر ما ارتبطت باختلافات في تقدير وتيرة الاندماج وتفعيل قرارات المؤتمرات الحزبية، ويشدد على أن التشخيص السياسي للأوضاع الوطنية والبدائل المقترحة ظل متقاربا إلى حد كبير بين مكونات اليسار المعني بالمشروع الوحدوي.

ويتضمن الميثاق السياسي، بحسب السعيدي، التزامات واضحة بشأن قضايا يعتبرها الطرفان أساسية، من بينها الوحدة الترابية، والموقف من التطبيع، والإصلاح السياسي والدستوري، إلى جانب الملفات الاجتماعية والحقوقية والانتخابية.

من مشروع اندماج إلى تحالف استراتيجي مرن

أحد أبرز الفوارق التي يركز عليها المتحدثان يتعلق بطبيعة المشروع الجديد مقارنة بتجربة فيدرالية اليسار الديمقراطي السابقة.

فاليوسفي يعتبر أن التجربة التي انطلقت سنة 2014 كانت تستهدف منذ البداية الاندماج التنظيمي الكامل بين مكوناتها، بينما يقوم التحالف الحالي على منطق التنسيق السياسي والاستراتيجي طويل النفس دون وضع الاندماج كهدف مباشر أو آني، ويستحضر اليوسفي هنا تجارب دولية من فرنسا وإسبانيا وأمريكا اللاتينية، بما يفيد أن بناء التحالفات اليسارية لا يلزم أن يمر فقط عبر الاندماج التنظيمي الكامل، بل يمكن أن ينجح أيضا عبر صيغ تنسيقية أكثر واقعية ومرونة، تستوعب التعدد وتمنح الأولوية للفعل المشترك.

ويذهب السعيدي في الاتجاه نفسه، موضحا أن التحالف الحالي لا يحمل مهمة تأسيس حزب موحد، وإنما يهدف إلى توحيد الجهود السياسية والمؤسساتية والنضالية بين الحزبين من أجل تحقيق قدر أكبر من الفعالية والتأثير داخل المشهد السياسي المغربي.

ويعتقد الطرفان أن هذه الصيغة تمنح قدرا أكبر من المرونة وتسمح بتجاوز الإشكالات التي واجهت تجربة الاندماج السابقة، مع الحفاظ على استقلالية كل تنظيم في إطار رؤية سياسية مشتركة.

كما ينص الميثاق على مأسسة العمل الوحدوي عبر آليات تنسيق تنظيمية ومؤسساتية، من بينها العمل على تشكيل فريق أو مجموعة برلمانية يسارية موحدة لتنسيق المواقف والمبادرات التشريعية والترافع المشترك حول القضايا الوطنية والاجتماعية.

ويجمع المسؤولان على أن نجاح التجربة الجديدة يظل رهينا بقدرة الحزبين على تحويل هذه الالتزامات إلى ممارسة سياسية وتنظيمية مستمرة، وعلى الحفاظ على قنوات التنسيق والحوار بين مختلف الهياكل الحزبية.

استعادة الثقة عبر العمل الميداني والوحدة السياسية

رغم تأكيد الطرفين على أن التحالف لا يختزل في الانتخابات، فإن مسألة استعادة ثقة الناخبين حضرت بقوة في أجوبتهما.. حيث يؤكد الطرفان أن الرهان لا يقتصر على الانتخابات، بل يرتبط بإعادة بناء الثقة في المشروع اليساري نفسه.

ويعتبر اليوسفي أن التحالف جاء استجابة لحاجة وطنية تفرضها التحديات المرتبطة بتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتنامي مظاهر الهشاشة، وما يرافق ذلك من حاجة إلى جبهة شعبية قادرة على تقديم بدائل ديمقراطية واجتماعية حقيقية.

ويشدد على أن وضوح المشروع السياسي واستمراريته كفيلان بتمكين المواطنين من التمييز بين المبادرات الظرفية والمشاريع الجادة، معتبرا أن استعادة الثقة تمر عبر تشجيع المشاركة السياسية ومحاربة العزوف الانتخابي والتصدي لمظاهر الفساد والإفساد.

أما السعيدي فيكشف عن شروع الحزبين في تنزيل خطوات عملية، من بينها تشكيل لجنة إشراف مشتركة من قيادتي التنظيمين، وإحداث لجان متخصصة لتدبير الجوانب البرنامجية واللوجستية، فضلا عن عقد لقاءات مشتركة لكتاب الفروع وتنظيم زيارات ميدانية وندوات فكرية وتعبوية مشتركة.

ويرى أن تجربة السنوات الماضية أرسلت رسائل متناقضة إلى الناخبين، إذ بدا من غير المنطقي أن تتنافس تنظيمات تحمل المرجعية نفسها والبرنامج ذاته على القاعدة الانتخابية نفسها، بما يؤدي إلى إضعاف الجميع وإهدار فرص سياسية وانتخابية مهمة.

نحو قطب يساري أوسع؟

ورغم أن التحالف يقتصر حاليا على الحزبين، فإن تصريحات اليوسفي تكشف عن تصور أوسع يتجاوز الإطار الثنائي.. إذ يرى أن المغرب في حاجة إلى تقارب أكبر بين مختلف القوى اليسارية والتقدمية والديمقراطية حول أرضية مشتركة وبرنامج حد أدنى، بما يسمح بتشكيل كتلة تاريخية قادرة على تعديل موازين القوى السياسية والدفع نحو إصلاحات ديمقراطية أعمق، كما يستحضر مبادرة سابقة كان الحزب الاشتراكي الموحد قد أطلقها في ندوة خصصت لذكرى رحيل محمد بنسعيد آيت إيدر، معتبرا أن تجاهل مثل هذه الدعوات أضاع فرصا ثمينة كان يمكن أن تدفع في اتجاه وحدة أوسع.

وبينما يراهن الحزبان على أن يشكل “تحالف اليسار” بداية مرحلة جديدة من العمل المشترك، يبقى نجاح التجربة مرتبطا بمدى قدرتها على الانتقال من التنسيق السياسي إلى الحضور الميداني المؤثر، وعلى إقناع المواطنين بأن الوحدة اليسارية لم تعد مجرد شعار تاريخي، بل أصبحت خيارا عمليا لمواجهة تحديات الحاضر وصناعة بدائل المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى