الرئسيةسياسة

شرقاب ورفاقه أمام الاستئناف.. من يحمي المبلغين؟

تعود قضية البروفيسور رشيد شرقاب وعدد من الأطر الطبية والنقابية بالمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد بالدار البيضاء إلى واجهة القضاء، مع تحديد يوم الاثنين 2 نونبر 2026 موعدا لانطلاق أولى جلسات المحاكمة الاستئنافية، عقب صدور أحكام ابتدائية بالحبس النافذ والغرامات والتعويضات المالية الثقيلة في حق المتابعين.

وتعيد هذه القضية طرح إشكالية العلاقة بين التبليغ عن الاختلالات داخل المؤسسات العمومية والحق في المساءلة، خصوصاً عندما يجد أشخاص ارتبطت أسماؤهم بكشف تجاوزات مفترضة أنفسهم في مواجهة أحكام سالبة للحرية ومطالب مالية كبيرة.

ولا يتعلق الأمر فقط بمسار قضائي ينتظر كلمة محكمة الاستئناف، بل بملف يفتح نقاشا أوسع حول الضمانات القانونية التي تحمي المبلغين عن الفساد، والحدود الفاصلة بين حرية التعبير والتشهير، ومدى قدرة المؤسسات العمومية على التعامل مع التبليغات والشكاوى باعتبارها مدخلاً للتدقيق والتحقيق، لا مناسبة لتحويل أصحابها إلى متهمين.

أحكام بالسجن وتعويضات بالملايين

كانت المحكمة الابتدائية بالدار البيضاء قد أصدرت أحكاماً متفاوتة في حق ثلاثة من المتابعين في هذا الملف، حيث قضت بسنتين حبسا نافذاً وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم في حق عبد اللطيف صدار، الكاتب العام للنقابة الديمقراطية للصحة، على خلفية تهم تتعلق بانتحال صفة منظمة قانوناً وبث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة والتشهير.

كما أدانت المحكمة محمد آيت الطالب، التقني بالمستشفى، بستة أشهر حبسا نافذاً وغرامة مالية بلغت ألفي درهم، فيما حكمت على البروفيسور رشيد شرقاب بسنة واحدة حبسا نافذاً وغرامة قدرها خمسة آلاف درهم، بتهم تتعلق بالتشهير وانتحال صفة منظمة قانوناً.

ولم تتوقف الأحكام عند العقوبات الحبسية والغرامات، بل امتدت إلى الجانب المالي، إذ قضت المحكمة بأداء المتابعين تعويضاً تضامنياً قدره مليون درهم لفائدة المجموعة الصحية الترابية لجهة الدار البيضاء سطات، فضلاً عن تعويضات أخرى لفائدة المطالبين بالحق المدني بلغت في مجموعها 450 ألف درهم.

من التبليغ عن الاختلالات إلى قفص الاتهام

تكتسب القضية حساسيتها من طبيعة السياق الذي تفجرت فيه، باعتبارها مرتبطة بتبليغات وشكاوى بشأن اختلالات مفترضة داخل المركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، وهي معطيات جعلت الملف يتجاوز حدود النزاع القضائي بين أطرافه إلى نقاش حول مصير الأصوات التي تختار إثارة مشاكل التدبير والاختلالات داخل المرافق العمومية.

فحين يجد إطار طبي أو نقابي نفسه أمام متابعة قضائية وأحكام بالحبس النافذ، بعد ارتباط اسمه بالتبليغ عن اختلالات داخل مؤسسة صحية عمومية، يصبح من المشروع التساؤل عن الضمانات المتاحة لحماية المبلغين، وعن الكيفية التي يتم بها التمييز بين التبليغ المسؤول عن وقائع تستوجب التحقيق، وبين الأفعال التي يمكن أن تشكل تشهيراً أو مساساً بحقوق الآخرين.

ولا يعني ذلك افتراض البراءة من التهم أو التشكيك في حق القضاء في ترتيب المسؤوليات، كما لا يجوز اعتبار مجرد التبليغ حصانة مطلقة من المساءلة القانونية. لكن الموازنة تقتضي أيضاً ألا تتحول المتابعة القضائية، بصرف النظر عن مآلها، إلى عامل يثني العاملين في المؤسسات العمومية عن الإبلاغ عن الاختلالات التي قد تمس المصلحة العامة.

محاكمة تضع حماية المبلغين أمام الاختبار

وتأتي المحاكمة الاستئنافية في سياق يفرض إعادة فتح النقاش حول الحماية القانونية للمبلغين عن الفساد، خاصة داخل القطاعات التي ترتبط خدماتها المباشرة بحقوق المواطنين، وفي مقدمتها الصحة العمومية.

فالمؤسسات الاستشفائية ليست مجرد إدارات لتدبير الموارد البشرية والتجهيزات والميزانيات، بل مرافق عمومية تتصل سلامة تدبيرها وجودة خدماتها بحق المواطنين في العلاج. ومن ثم، فإن أي تبليغ عن اختلالات مفترضة داخلها يستدعي التحقق من الوقائع، وتحديد المسؤوليات، وضمان حق جميع الأطراف في الدفاع عن نفسها.

وبين حق المتابعين في محاكمة عادلة، وحق المؤسسة والأشخاص المطالبين بالحق المدني في حماية سمعتهم ومصالحهم، يظل الرهان الأساسي هو ضمان ألا تختلط مساءلة المبلغين عن تجاوزات محتملة بمحاسبة من يثبت تورطهم فيها.

وتتجه الأنظار إلى جلسة الاثنين المقبل، حيث ستتاح لمحكمة الاستئناف فرصة النظر في الأحكام الابتدائية والدفوع المقدمة بشأنها. غير أن السؤال الذي يتجاوز هذه المحاكمة سيظل مطروحاً: كيف يمكن بناء مؤسسات عمومية تحارب الفساد والاختلالات، إذا أصبح من يثيرها يخشى أن يجد نفسه في مواجهة السجن والتعويضات الثقيلة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى