اقتصادالرئسية

كيف تحولت مناجم من سهم صاعد إلى أزمة ثقة؟

مناجم تربك بورصة الدار البيضاء..

لم يحتج سهم مناجم إلى أزمة معلنة في أداء الشركة حتى يجد نفسه وسط عاصفة في بورصة الدار البيضاء؛ فالصعود القوي الذي دفعه إلى صدارة الأسهم المؤثرة في مؤشر مازي MASI أعقبه تعديل تقني هدد بإحداث موجة بيع من طرف المستثمرين المؤسساتيين، قبل أن تتراجع اللجنة العلمية للمؤشرات مؤقتاً عن المراجعة، وبين القرار والتراجع، برز سؤال أكبر من مستقبل سهم واحد: إلى أي حد تستطيع السوق المالية المغربية ضمان استقرار قواعدها وحماية ثقة المستثمرين؟

صعود استثنائي يفتح باب التصحيح

استفادت مناجم من الانتعاش القوي لقطاع التعدين خلال سنة 2026، إذ تجاوز ارتفاع مؤشر القطاع 122% منذ بداية السنة، ما رفع القيمة السوقية للشركة ودفع وزنها داخل مؤشر مازي MASI إلى نحو 10.5%.

لكن هذا الصعود جعل السهم أكثر حساسية لأي تعديل في قواعد احتساب المؤشر، ففي 22 أكتوبر، أعلنت بورصة الدار البيضاء مراجعة معاملات الأسهم الحرة المتاحة للتداول ومعاملات تحديد الأوزان القصوى، اعتماداً على بيانات جلسة 21 أكتوبر، على أن تدخل التعديلات حيز التنفيذ في 29 أكتوبر.

ووفق مصدر من السوق، خفضت المراجعة وزن مناجم من 10.5% إلى حوالي 6.9%، وهو ما كان سيضع المؤسسات التي تحتفظ بالسهم بأوزان تقارب 10 إلى 11% أمام خيار تقليص مراكزها لإعادة التوازن إلى محافظها، تفادياً لامتلاك حصة تفوق الوزن الجديد المعتمد في المؤشر.

عندما يتحول التعديل التقني إلى ضغط بيعي

تكمن خطورة هذه الآلية في أن عمليات البيع المحتملة لا تعني بالضرورة تراجعاً في نتائج الشركة أو آفاقها الاقتصادية، بل قد تكون مجرد استجابة حسابية لمراجعة المؤشر. وهنا يظهر الفرق بين القيمة الاستثمارية للشركة ووزنها النسبي داخل المؤشر: الأولى ترتبط بأدائها ومؤشراتها المالية، والثاني يتأثر بمنهجية الاحتساب وحجم الأسهم الحرة المتاحة للتداول.

وبالتالي، قد يجد سهم حقق صعوداً استثنائياً نفسه تحت ضغط عرض إضافي، لا بسبب تدهور أساسياته، وإنما نتيجة إعادة ترتيب المحافظ المرتبطة بالمؤشر المرجعي.

تعليق التداول والتراجع عن المراجعة.. ارتباك يتجاوز مناجم

ازدادت التطورات تعقيداً يوم 30 أكتوبر، بعدما أعلنت بورصة الدار البيضاء تعليق تداول أسهم مناجم بطلب من الهيئة المغربية لسوق الرساميل، في انتظار نشر معلومات مهمة، وذلك عقب تراجع السهم بنسبة 10% خلال الجلسة.

وفي اليوم نفسه، قررت اللجنة العلمية لمؤشرات البورصة التراجع مؤقتاً عن المراجعة الأخيرة، وإعادة الأوزان السابقة ابتداءً من 2 نونبر، بالتوازي مع إعداد قواعد جديدة لتدبير المؤشر خلال شهر.

هذا التراجع يضع منهجية تدبير المؤشرات أمام اختبار حقيقي: كيف يمكن للمستثمرين بناء استراتيجيات طويلة الأمد إذا كانت التعديلات المعلنة قابلة للتراجع بعد أيام؟ وما الضمانات التي تكفل وضوح المعايير وتكافؤ المعلومة بين مختلف المتعاملين؟

الرهان الحقيقي هو الثقة

بالنسبة إلى المستثمر الصغير، تكشف الواقعة أن صعود السهم لا يلغي المخاطر المرتبطة بقواعد السوق وقراراتها التقنية، أما المؤسسات الاستثمارية، فتحتاج إلى بيئة تنظيمية مستقرة تسمح لها بتدبير محافظها وتوقع التحولات دون مفاجآت غير مفسرة.

وفي سوق تسعى إلى توسيع قاعدة المستثمرين وتعزيز دور البورصة في تمويل الاقتصاد الوطني، لا يكفي نشر الأرقام والبلاغات؛ بل تقتضي الحكامة قواعد واضحة وتواصلاً مؤسساتياً يفسر القرارات وتداعياتها.

فالقضية لم تعد محصورة في سهم مناجم، بل أصبحت اختباراً لمصداقية بورصة الدار البيضاء: المستثمر يستطيع تحمل مخاطر السوق، لكنه يحتاج إلى الاطمئنان إلى أن قواعد اللعبة واضحة ومستقرة، لا أن تتحول هي نفسها إلى مصدر للمفاجآت.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى