الرئسيةسياسة

بووانو يخفف العداء.. ويفتح باب «البام»

في تحول لافت في خطاب حزب العدالة والتنمية تجاه حزب الأصالة والمعاصرة، لم يستبعد عبد الله بووانو، عضو الأمانة العامة لـ«البيجيدي»، إمكانية التحالف مع «البام»، معتبرا أن هذا الخيار ليس خطا أحمر، وأن الحكم عليه ينبغي أن يتم انطلاقا من سياقه السياسي وتوازنات المرحلة، وليس بالعودة إلى الخلافات المرتبطة بنشأة الحزب وما رافقها من اتهامات بالتحكم واستهداف التجربة الحكومية للعدالة والتنمية.

ويعيد هذا التصريح فتح النقاش حول حدود الثبات على المواقف الحزبية، ومدى قدرة الخطاب الانتخابي، الذي غالبا ما يقدم بعض الأحزاب باعتبارها خصوما لا يمكن الالتقاء معهم، على الصمود أمام حسابات تشكيل التحالفات وتدبير المؤسسات بعد إعلان النتائج.

وجاء موقف بووانو خلال مشاركته في ندوة حول «رؤية حزب العدالة والتنمية للإصلاح السياسي بالمغرب»، ضمن أشغال الملتقى الوطني العشرين لشبيبة الحزب، المنظم اليوم السبت 7 نونبر 2026 بالمركز الوطني للتخييم ببوزنيقة، حيث تناول عددا من القضايا المرتبطة بمستقبل الحزب، وموقعه في المعارضة، وإمكانية بناء تحالفات سياسية جديدة.

«البام» ليس خطا أحمر

في معرض حديثه عن إمكانية التعاون مع حزب الأصالة والمعاصرة، استحضر بووانو تجربة تحالف العدالة والتنمية مع التجمع الوطني للأحرار سنة 2013، رغم أن رئيس هذا الأخير، صلاح الدين مزوار، كان قد قاد تحالف «G8» سنة 2011، الذي ضم حزب الأصالة والمعاصرة وأحزابا أخرى، وكان ينظر إليه داخل «البيجيدي» باعتباره تكتلا موجها لمواجهة الحزب.

واعتبر أن السياسة لا يمكن اختزالها في المواقف المسبقة، موضحا أن التحالفات تخضع أحيانا لاعتبارات المصلحة الوطنية والتدرج والتعاون، دون أن يعني ذلك التخلي عن المرجعية أو التفريط في المبادئ.

وفي رسالة واضحة بشأن مستقبل العلاقة مع «البام»، قال بووانو إن الحزب لن يعود بالضرورة إلى خطاب «النشأة السيئة» واتهامات التحكم كلما طُرحت إمكانية التحالف، مضيفا أن الموضوع سيخضع للنقاش داخل المؤسسات الحزبية، قبل اتخاذ القرار المناسب.

وأكد أن العدالة والتنمية يتخذ قراراته باستقلالية، وأن أي تفاهم سياسي محتمل مع حزب آخر ينبغي أن يمر عبر نقاش داخلي حر، وليس عبر مواقف فردية أو قرارات جاهزة.

ويكتسي هذا التصريح أهمية خاصة بالنظر إلى أن حزب الأصالة والمعاصرة يقود الحكومة الحالية، في وقت يتموقع فيه العدالة والتنمية ضمن المعارضة البرلمانية، وهو ما يجعل الحديث عن إمكانية التحالف بين الطرفين مؤشرا على استعداد الحزب لمراجعة بعض خطوطه السياسية السابقة وفق مقتضيات المرحلة.

التطبيع وانتخابات 2021.. ليست السبب الوحيد

وبخصوص الهزيمة الانتخابية القاسية التي مني بها العدالة والتنمية سنة 2021، قلل بووانو من اختزال أسبابها في توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، رغم إقراره بأن التطبيع كان له تأثير على جزء من الناخبين.

وأوضح أن الحزب تعرض، بحسب روايته، لضغوط واستهدافات متعددة قبل الانتخابات، مستحضرا تراجع عدد مرشحيه من نحو 17 ألفا و600 مرشح في يونيو 2021 إلى حوالي 9 آلاف في غشت من السنة نفسها.

كما ربط نتائج تلك الانتخابات بمجموعة من العوامل، من بينها ما وصفه باستعمال المال والإغراءات والتهديدات، إلى جانب تغيير يوم الاقتراع، والجمع بين الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية، واعتماد القاسم الانتخابي.

وبذلك، حاول بووانو تقديم قراءة متعددة الأسباب لما جرى سنة 2021، رافضا تحميل قرار التطبيع وحده مسؤولية الانهيار الانتخابي الذي أفقد الحزب أغلبية المقاعد التي كان يتوفر عليها في البرلمان.

عدد المقاعد لا يصنع القوة السياسية

وفي حديثه عن موقع الحزب الحالي، اعتبر بووانو أن قوة التنظيم السياسي لا تقاس فقط بعدد المقاعد التي يحصل عليها في المؤسسات المنتخبة، وإنما بمدى قدرته على ممارسة أدواره السياسية والرقابية والترافعية.

واستحضر تجارب الحزب في البرلمان، سواء عندما كان يتوفر على تسعة نواب أو 42 و46 نائبا، وصولا إلى مرحلة قيادته للحكومة، مؤكدا أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان الحزب قد قام بأدواره في مختلف تلك المراحل.

وأشار إلى أن العدالة والتنمية، الذي يتوفر حاليا على 54 مقعدا برلمانيا، مطالب بمواصلة أداء دوره من موقع المعارضة، بعيدا عن الانشغال بحجم التمثيلية أو حدود التأثير داخل المؤسسة التشريعية.

وفي السياق نفسه، عاد بووانو إلى موضوع القاسم الانتخابي، معتبرا أن تجاوزه يقتضي العودة إلى نظام العتبة، في ظل ما وصفه بحالة التشتت التي تعرفها مجالس الجماعات الترابية.

حين تنتهي الانتخابات تبدأ مراجعة الوعود

الأهمية السياسية في تصريح بووانو لا تكمن فقط في فتح الباب أمام احتمال تحالف العدالة والتنمية مع الأصالة والمعاصرة، وإنما في ما يكشفه هذا الموقف من إشكالية مزمنة في الممارسة الحزبية المغربية: المسافة الواسعة بين خطاب الأحزاب قبل الانتخابات وحساباتها بعد إعلان النتائج.

فخلال الحملات الانتخابية، تتحول بعض الخلافات إلى خطوط حمراء، وتُقدم التحالفات المحتملة باعتبارها تناقضا مع المبادئ والمرجعيات، بل إن بعض الأحزاب تبني جزءا من هويتها الانتخابية على رفض أحزاب أخرى، وتعبئة قواعدها ضدها.

لكن بمجرد انتهاء الاقتراع، تتغير لغة الخطاب، وتظهر مفردات المصلحة الوطنية والتوافق والتدرج والواقعية السياسية.

وهنا يطرح تصريح بووانو سؤالا مشروعا: إذا كان التحالف مع «البام» ممكنا اليوم، فما الذي كان يجعل رفضه بالأمس جزءا من الخطاب السياسي؟ وهل يتعلق الأمر بمراجعة سياسية حقيقية للمواقف، أم بتكيف مع موازين القوى الجديدة؟

المشكلة ليست أن يتحالف العدالة والتنمية مع الأصالة والمعاصرة، وإنما أن يصبح ما كان يُقدم للناخب باعتباره مبدأ لا يقبل التنازل مجرد موقف قابل للمراجعة بمجرد تغير الحسابات الانتخابية.

فالديمقراطية لا تتوقف عند صناديق الاقتراع، ولا تنتهي مسؤولية الأحزاب بمجرد إعلان النتائج. بل تبدأ، في جانب أساسي منها، عندما يصبح عليها أن تفسر للناخبين لماذا تحالفت مع من وعدتهم بالأمس بأنها لن تتحالف معهم.

ومن دون هذه المصارحة، ستظل التحالفات تُصنع في الكواليس، بينما يُترك الناخب أمام خطابات انتخابية لا تصمد طويلا أمام امتحان السلطة وتدبير المصالح.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى